القائمة الرئيسية

الصفحات

أخر الأخبار

تهميش تارودانت خامس عواصم المغرب ..هل هي سياسة أم قدر؟


اسرار بريس/تارودانت -احمد الحدري


عندما تقرأ عن مدينة تارودانت في أسفار الأولين كإحدى المدن القديمة في مغرب ماقبل الاسلام وما بعد الفتح الاسلامي ،يخيل إليك قبل زيارتها لأول مرة مدينة تاريخية ذاتأسوار عالية شامخة وقوية ورياض وقصور وجنان وسواقي مبنية من الآجر والجير ،وسراديب كانت تستعمل من قبل الأمراء والخاصة عند الحاجة ،ولان التاريخ القديم لميحدثنا كثيرا عن هذه المدينة الأسطورة الا بكونها كانت مركزا تجاريا ونقطة التقاء وانطلاق القوافل التجارية القادمة من مختلف مناطق المغرب باتجاه افريقيا او من افريقيااتجاهها الى باقي مناطق المغرب.غير ان اسم مدينة تارودانت سيسطع بشكل بارز خلال عهد الدولة السعدية حيث اتخذها الأمراء السعديون كأول عاصمة سياسية لملكهم ،هذاالملك الذي سيتمدد فيما بعد ليشمل كل حدود الإمارة المغربية التي تتحدد من السينغال جنوباالى السودان شرقا وإسبانيا شمالا وحيث تحولت مدينة تارودانت من مركز تجاريالى عاصمة سياسية تقصدها البعثات الدبلوماسية والوفود الدولية ،واصبحت بذلك تارودانت مدينة عصرية محصنة مع بناء سور عظيم حولها على مسافة تقدر بحوالي سبعةكيلومترات ،وشيد أمراء الدولة السعدية بها قصورهم بحي القصبة وتكنة عسكرية وحي إداري لإدارة شؤون الإمارة من تارودانت ،كما شيدوا بها اكبر جامع بالمغرب هوالجامع الكبير الذي كان بمثابة جامعة إسلامية وعلمية في عهدهم .
ولأن التاريخ لا يعيد نفسه بنفس الزخم ،فقد جرت على مدينة تارودانت سنن التاريخ بعد ذلك من حيث القرب اوالبعد من حكام الإمارة المغربية ،وتحكي الروايات التاريخيةالقديمة والحديثة في هذا الباب ،ان مدينة تارودانت عبر التاريخ كانت عصية على التطويع والإخضاع ؛حيث كانت دائمة معارضة رافضة لأي حكم او سلطة غير آخذةبمشورة الرعية في كل ما يهم حياتها المعيشية والتدبيرية ،فتسبب لها ذالك في محن كثيرة ،حتى قيل “تارودانت المدينة التي ذبح اَهلها اربع مرات “منذ ما قبل الفتح والى عهدمولاي اسماعيل حين التف سكان المدينة حول الامير محمد العالم وحاولوا دفعه لإعلان مدينة تارودانت عاصمة سوس آنذاك إمارة مستقلة بذاتها ،فكان ماكان من تدخلالملك مولاي اسماعيل بالقوة وقضى على تمرد المدينة واهلها بزعامة محمد العالم ابن مولاي اسماعيل .
وتحكي الروايات الشفهية لبعض شيوخ المدينة القدماء ،انه منذ هذه المِحنة وما تلاها من احداث على عهد احمد الهيبة في عشرينيات القرن الماضي ،والى اليوم ظل حكامالمغرب ينظرون الى تارودانت نظرة شك وريبة وعدم اطمئنان خاصة اذا علمنا ان الاقليم او المدينة التي ليس لها ممثل في دوائر الحكم لا تجد حظها الكافي من الرعايةوالاهتمام ،ما يبرر هذا القول هو هذه القرى التي تحولت بين عشية وضحاها الى مدن بل والى مراكز علمية يقصدها طلاب العالم ،وهذا من حقها لا ن جميع مناطق المغربيجب ان تحظى بحقها في التقدم والازدهار وليس فقط حتى تحدث معجزة سياسية بصعود احد ابنائها ليكون من المقربين للسلطان ،وهناك مدن اخرى انتقلت بين ليلة وضحاهامن دائرة النسيان الى دائرة الاهتمام والحضور في كل مقترحات اصحاب القرار،وهناك مدن حافظت على وهجها وتألقها منذ تأسيسها الى اليوم لانها حظيت على الدوام بمنيدافع عنها ويرعى مصالها لذا اصحاب القرار .
ان الزائر لمدينة تارودانت اليوم سيندهش عندما تصادفه هذه البنايات المتلاشية المصبوغة بلون يعلوه الاحمرار والاصفرار الباهت ،مدينة هي ما تبقى من شيء اسمهتارودانت كانت أول عاصمة لمملكة السعديين ،مدينة بأحياء ودروب مهمشة يسكنها الفقر والبؤس والتهميش والبطالة ، ترى ذلك بأم العين وتقرأه وتحسه من خلال هذه الوجوهالشاحبة ذات النظرات التائهة التي تصادفك بأهم ساحات المدينة “اسراك او تامقلات “او في ازقة الأحياء الضيقة الملتوية والمحفرة احيانا ،ومازادها بؤس في بؤس هذهالعربات الحديدية لباعة متجولين قدموا من مناطق اخرى خارج تارودانت اكثر فقرا ،فغزوا كل طرق المدينة وفضاءاتها ليضيفوا للمدينة بذالك ما ينقصها من تشوهات .اماالمآثر التاريخية للمدينة فإما انها بيعت للغير اوتلاشت او شوهت معالمها بتحويلها لبنايات إسمنتية بلا روح .
وحدها اذا مدينة تارودانت العاصمة التي شكلت الاستثناء من حيث التهميش والاقصاء من بين كل عواصم المغرب الاخرى ؛كمراكش وفاس ومكناس والرباط ،التي حافظتعلى مكانتها التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية والعلمية ،بل وازدادات مع مرور الازمنة تألقا وازدهارا ،الا مدينة تارودانت “عاصمة السعديين “الأولى ؛ قلب سوسالمريض الذي عملت السياسة على تضييق شرايينه الى الحد الذي يجعله قابلا للحياة لكن بلا حركيّة زائدة ؛يتجلى ذلك في تحويل اهم الطرق المؤدية لوسط المدينة التيتربطها بباقي مدن المغرب الى اتجاه آخر ،مثل طريق تزنتاست التي كانت تربط تارودانت بمدينة مراكش ومنها بباقي المدن الاخرى ،فتحول الاهتمام بعد ذالك الى مدينةاكادير عندما شقت طريق امسكرود لربط مراكش مباشرة باكادير ،ثم احداث الطريق السريع المؤدي لمطار اكادير ،هذه الطريق التي ربطت اكادير مباشرة كذلك بورزازاتدون الدخول لتارودانت ، وليصبح فيما بعد ما باث يعرف بالمثلث الذهبي للسياحة “اكادير ورززات مراكش “مرتبطا ببعضه البعض وفي استغناء تام عن تارودانت ،وآخرحجة تؤكد هذا التحامل على تارودانت هي الطريق الجهوية 1708 الرابطة بين تارودانت وأكادير عبر امسكرود والتي سبق ان انجزت لها دراسة سنة 2011 على اساس انتصبح طريقا سريعا ذات اتجاهين نظرا لاهميتها الاقتصادية لتارودانت ،غير ان وزير التجهيز رفض ذلك سنة 2014وتمت اعادة دراستها لتصبح طريقا ذات اتجاه واحدكماكانت عليه مع زيادة طفيفة في عرضها ،ورغم إعطاء انطلاقة بداية الأشغال بها لتوسعتهامنذ السنة الماضية الا ان الأشغال بها لازالت متعثرة وشبه متوقفة الى الآن .تارودانت العاصمة الخامسة بالمغرب ،بالرغم من كل الإسهامات العلمية والحضارية والثقافية التي قام بها علماء وصناع وأدباء تارودانت في الحضارة المغربية عموما عبرالعصور ،على اعتبار ان المغرب كان يمثل امبراطورية إسلامية امتدت احيانا حتى الأندلس شمالا والى السودان شرقا والسينغال جنوبا ،لم تعد تحظى بالاهتمام اللازم الذيتستحقه ، وهو الامر الذي يطرح اكثر من علامة استفهام عن هذا التهميش والاقصاء الاقتصادي والحضاري الذي أصبحت تعيشه تارودانت ،أهو سياسة متبعة أم قدر الهي ؟
ويبقى السؤال الأهم من كل هذا ،اين هو دور ابناء تارودانت القاطنين والمهاجرين في النهوض بمدينتهم وانتشالها من حالة البؤس التي توجد عليها؟



تعليقات